مُفتَرق الطَرِيق

Writer: Jamila Waked

Editor: Nada Basyouni


عزيزي!

ها هي الشَمسُ قد زَاوَلتْ فى رِحلَةِ غُرُوبِها، مُتَخِذَةً مَسِيرَها فى تَلَاحُمٍ مع البُحَيِرة، فكَانتْ كَلَوحَةٍ خَلَابَةٍ تَسلُبُ الأنفَاسَ، مُتَدَفقَةً مَعاهَا جَمُ الذِكرَيَاتِ و الأَوقَاتِ التي قَضَيانَها سَوِيًا، مُتَخِذِينَ تِلكَ البُقعَة أمَامَ البُحَيرَة مَلَاذًا لَنَا  مِنْ ضَوضَاءِ المَدِينَةِ و صَخَبْ أُنَاسِهَا.

 أَتَذكُرُ كَيِفَ وَجَدنَا ذَلِكَ المَكَانِ بَعدَ أن كَانَ مَحَطَتَنا، إِثْرَ سَيْرِنَا المُتَواصِلِ لسَاعَتينِ فى ذَلِكَ اليَومِ، حِينَ حَالَتْ الدُنيَا سَوَادًا بَعَدَ مَوتِ وَالِدي ظَنًا أنهُ الضَربَةُ القَاضِية، و الصَدمَةُ التى لن أَستَطِيعَ أنْ أَحيَا  بَعدَهَا…

أَتَذَكَرُ أَنِي لم أَكُفَ عن البُكَاءِ لِلَحظَةٍ، كَأنَ هُمُومِى سَتَجِدُ طَرِيقَها للخُرُوجِ مع سَيِلِ الدُمُوعِ المُنهَمرِ مِنْ عَينَاي…

أَتَذَكَرُ أَنَكَ فَقط ظَلَلْتَ صَامِتًا تَنْظُرُ أَمَامَك مُرَبِتًا عَلَى كَتِفِى، تُوُاسِيني فى صَمتْ، مُنتَظرًا أن تَهدَأ تِلكَ النَوبَه، ثُمَ قُلتَ لي أَنَ الحَيَاةَ فقَط فَانِيةٌ كَسَاكِينِهَا تَمَامًا، و إِن فَقَط رَحِيلُنا مَرهُونٌ بوقْتٍ لا مَفَرَ مِنْ قُدُومِه…

تَتَالَتْ لِقَائتُنا فِى مَلَاذِنا المُميِز كَأنَهُ مَفَرِي مِن الوَاقِعِ و كُلِ ما يَحمِلُهُ مِن بُغضٍ و آلَمٍ، فَآتِي إِليِكَ و أكتَافِي تَحمِلُ مِنَ الهُمُومِ أطنَانًا، فتَبتَسم إِبتِسَامَةً كَعَهْدِها تَحُولُ مِنْ كُلِ ذَلِكَ نسيًا منسيًا كَأنَ ذَلكَ الوَقتِ قد خُلِقَ لسَعَادَتي و حَسبْ.

أَتَذَكَرُ ضَحِكَاتِي العَالِية مُستَمِعَتًا لحَدِيثَك المَرِح.. سَيلٌ مِنَ الذِكرَياتِ مَرَ أمام عَينَاي كَشَرِيط فِيلمٍ، رَسَم إِبتِسَامةً بَاهِتةً عَلى شَفَتَي..رَافِضَةً نُزُولَ دُمُوعِي، فَقد وَعدتكَ بِأَن لا أَبكِي إِنْ رَحَلتْ يَومًا، أَتَذكُر؟ لم أَفهَم لِمَا كُنتَ مُستَيسِرًا الفُراقْ لِذَلِكَ الحَدْ.. كَأَنكَ كُنتَ مُوقِنًا مِن أَننَا سَنَصِل لمُفتَرقْ الطَرِيقِ يَومًا..

“سَتَعدد الأَسبَابُ و تَختَلفْ النِهَاياتُ و لَكِن لا مَفَرَ فالأَمرُ مَحتُومٌ ،و الفِرَاقُ قد كُتِبَ بالفِعْل.”

كَانَتْ تِلكَ كَلِمَاتُك أيضًا و كَانَتْ أخِرَ ما سَمِعتُ مِنك. فالحَيَاةُ هَكذا؛ يَأتِي أَشخَاصٌ إلى حَياتِكَ قَالِبِينَها رَأسًا عَلى عَقِبْ، تَتَعَلقُ بِيهم كَتَعلقِ رَضِيعٍ بدُميَته، و لَكن سَيَحِينُ الوَقتُ، و يَكبُرُ الرَضِيعُ و تَتلُفُ الدُمْية، و هَكَذا هي العِلاقات، تَتَغَيرُ بمُرُورِ الزَمَن، و قِلَمَا مَنْ يَبقَي..

فَها أنْتَ يا عَزِيزِي قد رَحَلتَ أَنتَ الآخرُ بالفِعلِ تَارِكًا الكَثِيرَ مِنكَ مَعِي، تَارِكًا كَلامَتُكَ تُلازِمُني، و لكَني شَاكِرَةٌ لَك بالفِعل، فَقدْ عَلَمتَني الكَثِيرَ، و أَخَذتَ بِيَدِي لمَفَاهِيمَ كُنتُ بغَافِلَةٍ عَنها.. قَائِلًا: “لَيسَ بِالمُهِمِ بَأنْ يَبقي شَخصٌ مَعَكَ أَمَدَ الدَهْر، و لَكِنَ المُهِمَ أن يَترُكَ فى نَفسِكَ آثرًا يَنفَعُك أمد الدَهْر.”